ابن تيمية

8

مجموعة الفتاوى

وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالتَّخْلِيدِ : كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ إنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِن النَّارِ مَنْ دَخَلَهَا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَإِنَّهُ لَا شَفَاعَةَ لِلرَّسُولِ وَلَا لِغَيْرِهِ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ لَا قَبْلَ دُخُولِ النَّارِ وَلَا بَعْدَهُ ؛ فَعِنْدَهُمْ لَا يَجْتَمِعُ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ ؛ وَحَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ . بَلْ مَنْ أُثِيبَ لَا يُعَاقَبُ وَمَنْ عُوقِبَ لَمْ يُثَبْ . وَدَلَائِلُ هَذَا الْأَصْلِ مِن الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ كَثِيرٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ وَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوَاضِعِهِ . وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا أُمُورٌ كَثِيرَةٌ وَلِهَذَا مَنْ كَانَ مَعَهُ إيمَانٌ حَقِيقِيٌّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ بِقَدْرِ إيمَانِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ ذُنُوبٌ كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - { أَنَّ رَجُلاً كَانَ يُسَمَّى حِمَاراً وَكَانَ يُضْحِكُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَجْلِدُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأُتِيَ بِهِ مَرَّةً فَقَالَ رَجُلٌ لَعَنَهُ اللَّهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } . فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُذْنِبَ بِالشُّرْبِ وَغَيْرِهِ قَدْ يَكُونُ مُحِبّاً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَحَبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ كَمَا أَنَّ الْعَابِدَ الزَّاهِدَ قَدْ يَكُونُ لِمَا فِي قَلْبِهِ مِنْ بِدْعَةٍ وَنِفَاقٍ مَسْخُوطاً عَلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ كَمَا اسْتَفَاضَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا مِنْ حَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الخدري وَغَيْرِهِمَا عَنْ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْخَوَارِجَ فَقَالَ : يَحْقِرُ